دائما ما تكون النهايات مؤلمة… حتى و إن كانت عن قناعة… وتلك النهاية التي أنا بصددها اليوم تكاد تكون الأكثر فداحة… رغم وجوبها لا محالة… لم أمنح نفسي فرصة لأضمه مرة أخيرة… لم أمنحه قبلة أخيرة… رحلت دون أن أنظر لعينيه نظرة أخيرة… أدرت ظهري و مشيت دون لمحة واحدة للخلف… حدث كل شيء بسرعة بالغة… كل ما أعرفه أنه بعد ما بدا كأنه دهرا وجدت نفسي جالسة داخل سيارتي في شارع جانبي مظلم أبكي و أبكي حتى ابتل قميصي… لم أدر من أين أتت كل هذه الدموع… وسمعت آهات تنفجر من صدري بين شهقات البكاء… بعدها… بعدها حدث شيء غريب… ران صمت مطبق علي… وجع صامت مركز لم يتخلله أي إحساس آخر… لأول مرة أختبر مثل هذا الألم… وكأنه نصل قاتل النعومة انغرس بهدوء في صدري وراح يمزق قلبي داخل جوفي في سرعة و سلاسة… استمرت الدموع الساخنة في الانهمار على وجهي لكن النحيب توقف… لم أعلم ماذا جلست لأبكي… هل كنت أبكيه أم أبكي ما فقدت من نفسي لغير رجعة… أم تراني جلست أبكي كلاهما… من بين الدموع شاهدت نفسي في مرآة السيارة وقد احمرت عيناي حتى صارتا بلون الدم… وانتفخ أنفي و شفتاي بفعل ساعات البكاء الطويلة… فما عدت أعرف من تلك التي تحدق بي من زجاج المرآة… بعينان ملأهما الجزع و الانكسار… كدت أفتح دفتر أوراقي مرة أخرى لأكتب فصل جديد من حكايتنا التي كنت قد أسميتها “حتى لا ننسى” لكنني وجدت ابتسامة جريحة ترتسم ببطء على شفتاي… فقد صرنا الآن خارج حدود النسيان… لا مجال لأن أنسى – وإن أردت – رائحته… طريقته الغريبة في تصفيف شعره… مداعباته المستمرة حول الملح القليل في “صينية البطاطس”… وابتسامة سرية نتشاركها خلسة لحضور نكتة خاصة بنا بين الناس … لا يمكن لي أن أنسى يداه الحانية في أوقات مرضي تمسح برفق جبهتي وشعري… و أزمات منزلي المتكررة والتي كان يقوم هو بدور بطولي في إنقاذ جميعها… تسوقنا سويا… أسفارنا سويا… عملنا سويا… سهراتنا سويا… و رقصنا سويا… أجل راقصته مرة واحدة… لم تتعدى مدتها دقيقة… كنت أود أن يكون لي مخزون أكبر من ذكريات الرقص بين يديه… استرجعها تدفيء لحظات الشتاء الحسي من حياتي… ولكن تأتي أمنياتي متأخرة بعض الشيء… كل ما أعرفه الآن أنني بغنى عن كتابة أي من الذكريات… فكلها محفورة داخل ذاكرتي و فوق بشرتي… لا أريد له أن يتألم لفراقي… فهو لم يرتكب ما يستحق من أجله إيلاما… لو كنت فقط أعرف كيف أخفف عنه دون أن أزيد الوضع سوءا… لعل ألمي كان ينحسر قليلا… تركته منذ ساعات والشوق له يكاد يقتلني و يمزقني إربا… أود أن أبكي على صدره… أريد منه أن يواسيني في فقده… أن يطمئنني بأن كلانا سوف يكون على ما يرام… هو عندي بمنزلة لم يحتلها رجل سواه… ولا أظن بأنني سوف أقو على أن أضع آخرا مكانه ما حييت… أشعر بإنهاك يتآكلني و الصداع يكاد يفجر رأسي… لا أعلم إلى أين سوف أذهب… ولا أريد أن أكلم أحدا… أعلم بأنني لا أستطيع الاحتفاظ به لكنني… لا أريد سواه… لا أريد سواه!